الشيخ محمد الصادقي

274

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

64 - وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن إِلَّا لأمور هي هيمنة على ما قبله من كتاب ، سلبية : لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ في كتاب الشرعة عندهم وفي هذا القرآن طردا لباطل وَهُدىً وَرَحْمَةً زائدة على ما نزل من كتاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ باللّه وما أنزله ، فهما تشملهما ما سبق وحيه وما لحق في هذا القرآن . 65 - وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بقدر ، إذ كانت الأرض عطشانة فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إذ لم يكن فيها ماء كاف إِنَّ فِي ذلِكَ الإنزال الإحياء العظيم لَآيَةً ربانية لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ كلمة الحق فيتذكرون . 66 - وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً تعبرون بها إلى المعرفة الربانية ، لاختلاف بين أجزاءها ، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ وضمير المفرد راجع إلى " الأنعام " اسم جمع ، كما هي جمع في " المؤمنون " " بطونها " مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ومصدر الكل واحد ، والصادر ثلاث خليطة بعض مع البعض ، فمنه خبيث محرم ، ومنه طيب محلل . 67 - وَ مثله خلطا مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ تمرا وَالْأَعْنابِ عنبا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ تبعيضا مثنى ف " منه " تعني البعض المستفاد من " من " سَكَراً : مسكرا هو خبيث وَرِزْقاً حَسَناً يقابله ، فالسكر ليس رزقا ولا طيبا ، دليلا على حرمته إذ " وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ " وأما " رِزْقاً حَسَناً " فهو غير السكر مطلقا ، من شيرج وشديد الغليان دون إسكار قبل ذهاب ثلثيه إِنَّ فِي ذلِكَ الخليص عن الخليط لَآيَةً ربانية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الحقائق كيف يتخلص الحسن عن السيء ، ثم " يعقلون " أن السكر يذهب العقل والرزق الحسن يزيد فيه ، فتحريم العصير المغلي قبل ذهاب تثليثه دون إسكار هو خلاف العقل ، كما أن تحليل السكر يخالفه . 68 - وَأَوْحى رمز رَبُّكَ الذي رباك بأعلى قمم الوحي إِلَى النَّحْلِ غريزيا ، برزخا بين الاختيار تلقّيا ، وغير الاختيار أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً هي أفضل لحصائها ، ثم وَمِنَ الشَّجَرِ خلقيا وَمِمَّا يَعْرِشُونَ شجرا وسواه حيث يبنون مرتفعا ، فالمنخفضات لا تصلح لطيب العسل . 69 - ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ الطيبة فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ في أكلك وأكلك ذُلُلًا من الذّل ضد الشماس يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها من فمها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كحمراء وبيضاء وصفراء فِيهِ العسل شِفاءٌ لِلنَّاسِ عن كل داء إذ يشمل كافة العلاجات اللهم إلا في مثل المرارة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ربانية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في الثمرات ، وهنا تشابه بين وحي القرآن أمام سائر الوحي ، ووحي النحل أمام سائر الثمر ، أنهما لأعلى القمم في وحي الروح والجسم . 70 - وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ بمرحليات الخلقة ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أخذا وافيا ككلّ حيوياتكم إلى البرزخ دون إفناء وَمِنْكُمْ بعضا مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ شيبة مرذلة في طاقات بدنية ، أم ونفسية كبداية الولادة ، اللهم الّا من يرد إلى أفضله كالإمام المهدي ومن أشبه " . . يرد . . " لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ هباه ربه شَيْئاً كالطفولة غير الناضجة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ يخلق ويرد ربانيا بعلمه وقدرته . 71 - وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ قابلية وفاعلية ، ماليا وحاليا في الأصل ، وكما فضل على فضل المساعي ، زيادة عليها فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ حيث المساواة في العطيات غير صالحة ، فكيف تزعمون أنه أعطى من ربوبيته بعضا من خليقته أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أنه أعطاهم إياها ، ثم هم يصرفونها في غير مرضاته تعالى . 72 - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مجانسة إنسانية